في حضرة الأرق (تقديم مادي ومنهجي)
قلق الكينونة وابتكار الفناء: قراءة فلسفية في المجموعة القصصية "ميتة مبتكرة" للقاصة التونسية بلقيس خليفة
لا أعرف متى تبدأ القراءة فعلاً…
هل عند الصفحة الأولى؟ أم عند تلك اللحظة التي نشعر فيها أن النص لم ينتهِ رغم أننا أغلقنا الكتاب؟
مع مجموعة "ميتة مبتكرة" للكاتبة التونسية بلقيس خليفة، حدث شيء من هذا القبيل.
أنهيتُها في ساعة متأخرة من الليل… لكن الإحساس بالنهاية لم يحدث. كان هناك شيء عالق، فكرة لم تستقر، أو ربما قلق لم يجد لغته بعد.
صدرت هذه المجموعة عن دار "ميارة للنشر والتوزيع" سنة 2025، في 120 صفحة، وتضم 14 قصة قصيرة. غير أن هذا التكثيف الشكلي يخفي كثافة دلالية لافتة، وهو ما يجعل من العمل نصاً إشكالياً بامتياز. وقد تُوّجت هذه المجموعة بجائزة الدولة التقديرية لسنة 2025، وهو تتويج لا يعكس فقط قيمتها الأدبية، بل أيضاً حساسيتها تجاه أسئلة الوجود المعاصر.
ما أربكني ليس الحكايات في ذاتها، بل ذلك الإصرار الخفي داخل النصوص على دفع القارئ نحو منطقة غير مريحة:

منطقة يُصبح فيها السؤال عن الموت… سؤالاً عن شكل الحياة نفسها.
من هنا، اخترت أن أقترب من هذا العمل عبر قراءة تعتمد المنهج الفلسفي، لا لفرض مفاهيم جاهزة، بل لاختبارها داخل النص… وربما أيضاً مساءلتها.
وستتحرك هذه القراءة عبر ثلاثة محاور:
أنطولوجيا العبث
فينومينولوجيا الجسد
سوسيولوجيا الاغتراب
لكن—وقبل كل شيء—يبقى السؤال معلقاً:
هل هذه المفاهيم قادرة فعلاً على احتواء النص؟ أم أن النص… هو ما سيعيد تفكيكها من الداخل؟
الإشكالية
تتمحور هذه القراءة حول سؤال يبدو بسيطاً في صياغته… لكنه مربك في عمقه:
كيف يتحول الموت من قدر بيولوجي إلى فعل ابتكار؟ وكيف يمكن للسرد أن يجعل من الفناء تجربة قابلة للتفكير، لا مجرد نهاية؟
العنصر الأول: أنطولوجيا العبث… أم إعادة ترتيب النهاية؟ (قصة: ميتة مبتكرة)
في هذه القصة، لا يظهر الموت كخاتمة طبيعية.
لكن هل يتحول فعلاً إلى بداية؟ لا يبدو الأمر بهذه البساطة.
عندما تقول البطلة: "عدلتُ عن كل مشاريعي السابقة.. ولا حاجة لي إلى وقت إضافي"، فهي لا تعلن فقط عن نهاية، بل عن نوع خاص من الوعي:
وعي يُشبه، في لحظة ما، ما يسميه ألبير كامو بالتمرد… لكن دون أن ينطبق عليه تماماً.
كامو يرى أن التمرد يكون بالاستمرار في الحياة رغم عبثها.
أما هنا، فالمسار يبدو مختلفاً:
كأن التمرد لا يتم ضد الموت… بل من خلاله.
ثم يظهر أفق مارتن هيدغر… “الكينونة نحو الموت”.
لكن حتى هذا المفهوم يتصدع قليلاً داخل النص.
لأن الموت، عند هيدغر، يكشف المعنى…
بينما هنا، يبدو أنه يعرّيه.
أما إميل سيوران، فهو الأقرب…
ليس لأن النص سوداوي، بل لأنه هادئ أكثر مما ينبغي.
كأن الشخصية لا تعاني بقدر ما تفهم…
وهذا الفهم ذاته، هو ما يجعل الوضع أكثر هشاشة.
هنا تحديداً، يتسلل سؤال لا يمكن تجاهله:
هل نحن أمام تمرد؟
أم أمام شكل أكثر رهافة من الاستسلام؟
ربما لا هذا ولا ذاك.
وربما تكمن قوة النص في هذا الالتباس نفسه.
العنصر الثاني: الجسد… حين لا يعود “نحن” (قصة: اللفافة ذات العيون)
في "اللفافة ذات العيون"، لا نكون أمام جسد يتألم فقط، بل أمام جسد يفقد موقعه كـ"أنا".
هناك لحظة دقيقة—وحاسمة—حين يتوقف الجسد عن أن يكون امتداداً لنا، ويصبح شيئاً نراقبه.
هنا تتفكك تلك الوحدة التي تحدث عنها ميرلو بونتي: نحن لا نملك جسداً، نحن جسد.
لكن ماذا يحدث حين ينهار هذا التماهي؟
في النص، لا نجد مقاومة واضحة.
وهذا ما يثير القلق.
الشخصية لا تصرخ، لا تعترض… بل تراقب.
“أنا الآن مجرد عيون…”
هذه ليست جملة وصفية فقط، بل لحظة اختزال وجودي:
حين تُختصر الكينونة في فعل إدراك وحيد.
فكرتُ في جان بول سارتر… الجسد كموضوع.
لكن سارتر يفترض دائماً إمكانية مقاومة هذا التشييء،
بينما هنا… المقاومة تكاد تكون غائبة.
وهنا يفرض السؤال نفسه ببطء:
هل غياب المقاومة استسلام؟
أم أنه الشكل الوحيد الممكن للتعايش مع ما لا يمكن تغييره؟
ثم يظهر ميشيل فوكو…
لكن ليس كسلطة خارجية، بل كحدّ داخلي:
كأن الجسد لم يعد فقط موضوعاً للسيطرة،
بل صار هو ما يرسم حدود الوعي نفسه.
ومع ذلك… أشعر أن هذه المفاهيم لا تكفي تماماً.
لأن النص لا يشرح الجسد، بل يتركه ينزلق أمامنا.
وهذا ما يجعل التجربة قاسية… لكنها صادقة.
العنصر الثالث: الغريب… حين يتغير موقعنا من العالم (قصة: غريب)
في "غريب"، لا يبدو الاغتراب حدثاً طارئاً،
بل حالة تتسلل بهدوء، دون أن تعلن نفسها.
الدخول إلى البيت، الأشياء في أماكنها… كل شيء يبدو طبيعياً.
لكن الإحساس بالألفة غائب.
وهنا تحديداً يكمن الإرباك:
كيف يمكن أن يبقى كل شيء كما هو…
ومع ذلك يتغير كل شيء؟
فكرتُ في هيربرت ماركوز…
لكن هل نحن أمام إنسان فقد أبعاده؟
أم أمام وعي أصبح أكثر حدة مما يحتمله العالم؟
ثم مرّ غاستون باشلار…
لكن بيته الحميمي لا يشبه هذا البيت.
البيت هنا لا يحتضن… بل يكشف.
وهنا ربما نقترب من فكرة مختلفة:
ليست المشكلة في العالم… بل في علاقتنا به.
“الأشياء تنظر إليّ…”
هذه الجملة تقلب العلاقة بالكامل.
لم نعد نحن من نُحدّد العالم،
بل أصبحنا موضوعاً لنظره.
وهنا… يتغير الإحساس بالوجود نفسه.
الخاتمة: خاتمة غير مطمئنة
"ميتة مبتكرة" لا تقدم أجوبة… بل تفتح فجوات.
وهذا في حد ذاته اختيار جمالي وفكري واضح.
لكن—وهنا أتردد قليلاً—
هل يكفي أن نكشف العدم… دون أن نترك منفذاً لمقاومته؟
لأن هناك فرقاً دقيقاً:
بين أن نُضيء العتمة،
وأن نتركها تبتلع كل شيء.
في بعض اللحظات، شعرت أن الشخصيات تُترك في منطقة السكون أكثر مما ينبغي.
وهذا لا يقلل من قوة النص… لكنه يطرح سؤالاً مشروعاً:
هل نحن أمام تفكيك للعدم؟
أم أمام اقتراب خطير منه؟
ومع ذلك، يبقى للنص فضل لا يمكن إنكاره:
إنه لا يريح قارئه… بل يدفعه إلى أن يواجه نفسه،
دون وساطة.