الأخبار

بعد أسابيع من إقراره.. لماذا لا يزال قانون إعدام الأسرى يثير كل هذا الجدل؟

اعتقال الفلسطينيين
اعتقال الفلسطينيين

بعد أسابيع من الجدل الذي أثاره قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، لا تزال تداعياته حاضرة داخل البيوت الفلسطينية وفي أروقة المؤسسات الحقوقية، فالقانون الذي يراه منتقدوه سابقة خطيرة في التعامل مع الأسرى، لم يثر فقط نقاشًا قانونيًا حول مدى توافقه مع قواعد القانون الدولي، بل أعاد إلى الواجهة مخاوف قديمة لدى عائلات الأسرى بشأن مصير أبنائهم داخل السجون الإسرائيلية.


وبينما يؤكد قانونيون أن التشريع يفتح الباب أمام انتهاكات جسيمة للحق في الحياة، تتحدث عائلات الأسرى عن واقع تعتبره شكلًا آخر من أشكال "الإعدام البطيء" نتيجة تدهور ظروف الاحتجاز. وبين هذين البعدين، الإنساني والقانوني، تتشكل صورة قانون لا يزال يثير التساؤلات رغم مرور أسابيع على طرحه.


صدمة في بيوت الأسرى


عندما أثير الحديث عن قانون إعدام الأسرى، لم تكن رولا عادل والدة الأسير يزن والتى أدلت بحديث خاص لموقع "سياق 24"، بعيدة عن موجة القلق التي اجتاحت عائلات كثيرة. فبحسب روايتها، سادت حالة من الذعر بين أهالي الأسرى فور تداول القانون، حيث اعتقد كثيرون في البداية أن أبناءهم قد يكونون ضمن الفئات المهددة بالعقوبة الجديدة.


وتوضح أن هذا الالتباس ارتبط بغياب الفهم الدقيق لتفاصيل القانون لدى عدد كبير من العائلات في البداية، ما دفع بعضهم إلى تصور أن القانون قد يطال جميع الأسرى خاصة أصحاب الأحكام المؤبدة. وتضيف أن حالة من البكاء والخوف سادت بين بعض الأهالي قبل أن يبدأ المحامون في توضيح نطاق القانون المحتمل.


ورغم أن التوضيحات القانونية أشارت لاحقًا إلى أن القانون، وفق صيغته المتداولة، يستهدف حالات محددة تتعلق بإدانة أشخاص بقتل إسرائيليين، فإن ذلك لم يبدد المخاوف بشكل كامل، فبحسب رولا، لا يرتبط القلق بالنص وحده، بل بغياب الثقة في آليات التطبيق.


وتصف رولا القانون بأنه "عنصري وإجرامي"، معتبرة أنه يتعارض مع مبادئ العدالة والقوانين الدولية ويصادر الحق في الحياة، في ظل واقع تاريخي ترى فيه أن الفلسطينيين دفعوا أثمانًا باهظة دون مساءلة مماثلة لما تتعرض له قضيتهم.
"السجن إعدام بطيء".


ورغم أن الجدل حول القانون هو ما أعاد تسليط الضوء على قضية الأسرى، إلا أن رولا تؤكد أن المخاوف أعمق من ذلك بكثير، إذ ترى أن ظروف الاحتجاز نفسها تمثل تهديدًا مستمرًا للحياة.


وتشير إلى أن ابنها أصيب بمرض الجرب داخل السجن، وأن حالته الصحية تدهورت بشكل كبير، حيث فقد نحو 22 كيلوغرامًا من وزنه، في ظل نقص الرعاية الطبية والغذاء، وغياب الظروف المعيشية الملائمة داخل أماكن الاحتجاز.


وتضيف أن الأسرى يعانون من نقص في الغذاء والأدوية ووسائل التهوية، وأن هذه الظروف تجعل السجن، من وجهة نظرها، أقرب إلى "الإعدام البطيء" حتى قبل أي نقاش قانوني جديد.


وتقول"أنا لا أخاف فقط من هذا القانون، بل أخاف من السجن نفسه. السجون الإسرائيلية أقرب إلى مقبرة للأحلام والحياة".


ليلة الاعتقال


لا تنفصل مخاوف رولا الحالية عن لحظة اعتقال ابنها. فبحسب روايتها، بدأت الواقعة في ساعات الفجر الأولى من 31 يناير، عندما استيقظت العائلة على أصوات اقتحام عنيف للمنزل تخللته قنابل صوتية وتحطيم للأبواب.


وتضيف أن قوة كبيرة من الجنود اقتحمت المنزل، وشرعت في تفتيشه وتحطيم محتوياته، قبل أن يتم اقتياد ابنها يزن بعد إخضاعه لتحقيق ميداني داخل المنزل، وهو مكبل اليدين والقدمين إلى جهة مجهولة.
وتؤكد أنها لم تتمكن من معرفة مكان احتجازه إلا بعد أيام، ولم تره أو تسمع صوته منذ ذلك الوقت، رغم مرور أكثر من عام على اعتقاله.


وتشير إلى أن هذه التجربة تجعلها تنظر إلى أي تشريع جديد يتعلق بالأسرى بوصفه جزءًا من واقع أوسع من القلق المستمر الذي تعيشه العائلات منذ لحظة الاعتقال الأولى.


ماذا يقول القانون؟


بعيدًا عن الشهادات الإنسانية، يثير قانون إعدام الأسرى نقاشًا قانونيًا معقدًا بشأن مدى توافقه مع قواعد القانون الدولي الإنساني، خصوصًا ما يتعلق بحماية الأسرى وضمانات المحاكمة العادلة.


وفي تصريحاته الخاصة ل"سياق 24" يقول المحامي الفلسطيني عبد الله شرشرة أن القانون يمثل محاولة لإضفاء طابع قانوني على سياسات تستهدف الأسرى والمحتجزين. ويوضح أن الأسير يتمتع بحماية خاصة بموجب القانون الدولي الإنساني، وأن أي حكم يؤدي إلى إعدامه خارج إطار محاكمة عادلة ومستوفية للمعايير الدولية يُعد، من حيث المبدأ، إعدامًا تعسفيًا.


ويضيف أن الإشكال لا يتعلق فقط بنص القانون، بل بالسياق الذي يُطبَّق فيه، وبطبيعة المنظومة القانونية التي تحكم قضايا الفلسطينيين داخل المحاكم الإسرائيلية.


مخاوف من التطبيق الانتقائي
ومن أبرز المخاوف التي يثيرها القانون احتمال تطبيقه بشكل انتقائي ضد الفلسطينيين دون غيرهم.


ويشير شرشرة إلى أن التجربة العملية مع النظام القانوني الإسرائيلي تكشف، بحسب رأيه، عن وجود تفاوت في المعاملة والعقوبات بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى التزام مبدأ المساواة أمام القانون.


وتتشارك رولا هذه المخاوف، معتبرة أن التطمينات القانونية لا تكفي لتبديد القلق، في ظل تجارب سابقة جعلت العائلات تشكك في مدى الالتزام الحرفي بالنصوص القانونية.


ضمانات قانونية أم إجراءات شكلية؟
ويرى شرشرة أن أي ضمانات قانونية قد ينص عليها القانون تبقى مرتبطة بمدى استقلال وحياد آليات التطبيق. ويوضح أن القيود على الدفاع أو صعوبة الوصول إلى الأدلة أو الضغوط السياسية قد تجعل هذه الضمانات أقرب إلى الشكلية منها للواقع العملي.


ويؤكد أن قراءة القانون يجب ألا تنفصل عن البيئة السياسية والقضائية التي يُنفذ فيها، لأنها العامل الحاسم في تحديد أثره الحقيقي على حياة الأسرى.


تعارض مع القانون الدولي


ويشدد شرشرة على أن القانون في جوهره يثير إشكاليات تتعلق بالتوافق مع مبادئ القانون الدولي الإنساني، لا سيما تلك المتعلقة بحماية حياة المحتجزين.


وفي السياق نفسه، أثارت القضية انتقادات على المستوى الأممي، حيث دعا مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك إلى إلغاء القانون، معتبرًا أنه يثير مخاوف جدية بشأن ضمانات المحاكمة العادلة، وينطوي على طابع تمييزي يتعارض مع الالتزامات الدولية المتعلقة بحماية الحق في الحياة، ويحذر من التوسع في عقوبة الإعدام عالميًا.


وتشير اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى أن القانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقيات جنيف، يفرض على سلطات الاحتجاز التزامًا واضحًا بمعاملة الأسرى والمحتجزين معاملة إنسانية في جميع الظروف، وحمايتهم من العنف والتعذيب والمعاملة القاسية أو المهينة، إضافة إلى ضمان توفير الغذاء والرعاية الصحية وظروف احتجاز لائقة، باعتبار أن الحرمان من الحرية لا يُعد عقوبة بحد ذاته بل حالة تخضع لضوابط قانونية صارمة.


بين الخوف والانتظار 


بين شهادات عائلات الأسرى والتحذيرات القانونية والانتقادات الدولية، لا يبدو أن الجدل حول قانون إعدام الأسرى في طريقه إلى التراجع، رغم مرور أسابيع على طرحه. فالقضية في جوهرها لا تتوقف عند نص قانوني أو نقاش تشريعي داخل مؤسسة سياسية، بل تمتد إلى حياة أشخاص يقبعون خلف القضبان في ظروف يصفها ذووهم بأنها تهدد وجودهم اليومي.


وبينما يرى مؤيدو القانون أنه يأتي في إطار الردع ومواجهة الهجمات المسلحة، يحذّر معارضوه من أن تطبيقه ، أو حتى التوسع في تفسيره ، قد يفتح الباب أمام انتهاكات أوسع تتعلق بالحق في الحياة وضمانات المحاكمة العادلة.


وفي الخلفية، تبقى عائلات الأسرى عالقة بين انتظار طويل وقلق متصاعد، في ظل واقع لا ينفصل فيه القانون عن المأساة اليومية داخل السجون، حيث تتحول المخاوف من نصوص تشريعية إلى أسئلة مفتوحة حول مصير إنساني لم يُحسم بعد.

عاجل