الأخبار

المسكوت عنه في سيرة الحاج طه حسين

سياق 24

 

جرى العُرف أنه عند الحديث صحفيًا وإعلاميًا عن الدكتور طه حسين يتم التركيز فقط على مرحلة كتاب "في الشعر الجاهلي" فقط، وكان مؤلف الكتاب يومئذ في شرخ الشباب. 

ورغم اعتذار طه حسين عما تضمنه هذا الكتاب المثير للجدل من مغالطات دينية وتاريخية، واعترافه بالخطأ، ثم توبته لاحقًا توبة نصوحًا عن كثير من الأفكار التي تبناها في بداية حياته إلا إن هناك فريقًا دأب على تسويق علمانية طه حسين وتجنيده ضمن صفوفهم، وإظهاره في مظهر المناهض للإسلام والثوابت الدينية حتى الممات.

إنصاف طه حسين

وإنصافًا للرجل، فإن طه حسين تخلى طواعية عن كثير من الأفكار الاستشراقية المنتقدة للإسلام التي تبناها في بداية حياته العملية، ووضع عديدًا من المؤلفات التي تنحاز بشكل مطلق للدين الخاتم، بل إنه حرص على أداء فريضة الحج في خواتيم حياته، وأظهر تأثرًا كبيرًا.

المفكر الإسلامي الكبير الدكتور محمد عمارة أولى اهتمامًا لافتًا بهذه الإشكالية، ووضع كتابًا عنوَنه بـ"طه حسين من الانبهار بالغرب إلى الانتصار للإسلام". الكتاب يقع في 192 صفحة وتم توزيعه مع مجلة الأزهر الصادرة في شهر ذي القعدة 1435هـ.

حرص المؤلف على شرح هدفه من هذا الكتاب، وهو: "سحب البساط من تحت أقدام أسرى التغريب والعلمانيَّة والغزو الفِكري الذين يتمسَّحون بهالات طه حسين، كأنَّه يقول لهم: اتَّقوا الله قبل أن تَندموا؛ فهذا أستاذُكم عادَ ورجَع، فلا تنسبوا إليه شيئًا ممَّا رجَع عنه، وعودوا أنتم أيضًا قبل فوات الأوان. كما أراد أن يتعلَّم الإسلاميُّون المنهاجَ العِلمي في دراسة تاريخ الأفكار، فيستردُّون الرموز بدَلَ التفريط فيها".

المرحلة الرابعة

يستعرض الكتاب 4 مراحل أساسية مر بها عميد الأدب العربي تكشف محطاته وتحولاته الفكرية والدينية. وفي المرحلة الرابعة والأخيرة التي وصفها الكاتب بأنها مرحلة الإياب الفِكري الصريح والحاسم إلى أحضان العروبة والإسلام وأرَّخها بالفترة بين عامي (1952-1960).. أظهر طه حسين تحولاً كبيرًا نحو العروبة والإسلام. هذا التحول رسم الكتاب ملامحه في نقاط محددة هي:

- تأكيدُه على حاكميَّة القرآن.

- الانتقال من الفِرعونيَّة إلى العروبة التي صاغَها الإسلام.

- ثناؤه على العلماء المجدِّدين.

- زيارته لأرض الحجاز 1955، وما صاحبها من أجواء إيمانية.

أجواء الحج

عندما سُئل الحاج طه حسين عن إحساسه في لحظات الحج ، وعن الدعاء الذي دعا به ربَّه؟ فردَّ قائلًا: "أُوثر أن يُترك الجواب على هذين السؤالين لِمَا بين الله وبيني من حِساب، وإنَّه لعسير. أرجو أن يجعلَ اللهُ من عسره يُسرًا.

يذكر الكتاب أن طه حسين عندما طلَب زيارة المسجد النبوي، وكان الطريق البري مُغلَّقًا لأجل السيول، أصر على الذهاب ولو بالطائرة - وهو لا يركب الطائرة أبدًا - وعندما طلب منه رفيقُه أمين الخولي أن يؤجِّل الزيارة قال له: "لن أغفرَ ذلك لنفسي أبدًا". وقال عند الزيارة للمسجد النبوي: "صليت في المسجد النبوي، وشعرتُ بسمو رُوحي، ووددتُ أنْ لا أبرحَ المسجد، أتابع صلاة الظهر بصلاة العَصر، فلا أُريد غِذاءً ولا طعامًا ولا شرابًا".

خلال هذه المرحلة كتب طه حسين  كتابة (مرآة الإسلام) 1959، الذي كشف فيه عن ألوانٍ من إعجاز النظم القرآني، ثم ختَم بكتابه "الشيخان" في العام التالي مباشرة.

وصية طه حسين

يختتم الكتاب بالتنويه إلى أن طه حسين أوصى أن يُحفَر على القبر الذي دُفن فيه هذا الدُّعاءُ النبويُّ - الذي كان أثيرًا إلى قلبه، قريبًا من لسانه: "اللهمَّ لك الحمد، أنت نور السَّموات والأرض ومَن فيهنَّ، ولك الحمد، أنت قيُّوم السموات والأرض، ولك الحمد، أنت ربُّ السموات والأرض ومن فيهنَّ، أنت الحقُّ، ووعدك الحقُّ، والجَنَّة حقٌّ، والنار حقٌّ، والساعة حقٌّ، والنبيُّون حقٌّ، اللهمَّ لك أسلمتُ، وعليك توكلتُ، وبك آمنتُ، وإليك أنبتُ، وبك خاصمتُ، وإليك حاكمتُ، فاغفرْ لي ما قدَّمتُ وما أخَّرتُ، وما أسررتُ وما أعلنتُ، أنتَ إلهي لا إله إلَّا أنتَ".

هذه المرحلة رغم أهميتها..فإن المتمسحين بطه حسين يخفونها تماما من كتاباتهم عنه، وهو ما يفعلونه أيضًا مع مفكرين وفلاسفة وأدباء مؤثرين مثل: الدكتور زكي نجيب محمود وعبد الرحمن بدوي ونجيب محفوظ وآخرين.