ليون سيوفي: التصعيد بين واشنطن وطهران لا يعني عودة الحرب.. والاتفاق يواجه أخطر اختبار منذ توقيعه
قال الدكتور ليون سيوفي، الباحث والكاتب السياسي، إن التصعيد العسكري الأخير بين الولايات المتحدة وإيران لا يعني بالضرورة عودة الحرب الشاملة بين البلدين، وإنما يمثل جولة جديدة من إدارة الصراع بينهما، مؤكدًا أن الاتفاق المبرم مؤخرًا لا يزال قائمًا من الناحية القانونية، لكنه يمر بأخطر اختبار منذ توقيعه.
وفي تصريحات خاصة لـ"سياق 24"، أوضح سيوفي أن عودة الضربات الجوية وإطلاق الصواريخ بعد أيام قليلة من توقيع مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران دفعت كثيرين إلى الاعتقاد بأن الاتفاق انهار وأن المواجهة العسكرية عادت إلى نقطة الصفر، إلا أن القراءة السياسية، بحسب قوله، تشير إلى أن ما يجري أكثر تعقيدًا من مجرد انهيار اتفاق أو اندلاع حرب شاملة.
وأضاف أن العلاقات الأمريكية الإيرانية لم تُبنَ طوال أكثر من أربعة عقود على السلام الكامل أو الحرب المفتوحة، وإنما على ما وصفه بـ"إدارة الصراع"، حيث يتصاعد التوتر في بعض المراحل ثم ينخفض في مراحل أخرى، مع استمرار قنوات الاتصال السياسية والأمنية بين الجانبين، حتى وإن كانت بعيدة عن الأضواء.
وأشار إلى أن الضربات الأمريكية الأخيرة جاءت بعد اتهام واشنطن لإيران باستهداف سفن تجارية في مضيق هرمز، معتبرة أن ذلك يمثل خرقًا للتفاهمات التي أُبرمت قبل أيام، بينما رأت طهران أن الولايات المتحدة هي التي انتهكت الاتفاق باستهداف مواقع داخل الأراضي الإيرانية، لترد باستهداف قواعد أمريكية في المنطقة، وهو ما أعاد الطرفين إلى معادلة الرد والرد المقابل، دون أن يعلن أي منهما إنهاء الاتفاق بصورة رسمية.
وأكد سيوفي أن الاتفاق لا يزال قائمًا من الناحية القانونية والسياسية، لعدم إعلان أي من الطرفين الانسحاب منه أو إلغاءه، لكنه عمليًا دخل "غرفة الإنعاش"، بعدما أصبحت استمراريته مرهونة بقدرة الطرفين على احتواء التصعيد خلال الأيام المقبلة.
وأوضح أن الاتفاق لم يكن معاهدة سلام نهائية، بل إطارًا مؤقتًا يهدف إلى وقف العمليات العسكرية وفتح نافذة تفاوض تمتد لنحو ستين يومًا لمعالجة الملفات الخلافية، وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني، والعقوبات الاقتصادية، وأمن الملاحة في مضيق هرمز، إضافة إلى الدور الإيراني في المنطقة، مشيرًا إلى أن هشاشة الاتفاق تعود إلى أن القضايا التي يسعى لمعالجتها هي نفسها أسباب الصراع الممتد منذ عقود.
وحول احتمالات عودة الحرب، قال الباحث السياسي إن الإجابة ليست سهلة، لأن مفهوم الحرب بين الولايات المتحدة وإيران يختلف عن الحروب التقليدية، موضحًا أن واشنطن تدرك أن أي مواجهة عسكرية شاملة مع إيران ستنعكس بصورة كبيرة على الاقتصاد العالمي، خاصة أسواق الطاقة والملاحة الدولية، كما أن إيران تدرك أن الدخول في حرب مفتوحة مع الولايات المتحدة قد يوجه ضربات قاسية إلى بنيتها العسكرية والاقتصادية.
وأضاف أن المؤشرات الحالية تفيد بأن الطرفين يحاولان إبقاء المواجهة ضمن سقف معين، بحيث تُستخدم القوة لإرسال رسائل سياسية وعسكرية وتحسين شروط التفاوض، دون الوصول إلى حرب واسعة لا يرغب أي منهما في خوضها خلال المرحلة الحالية.
واستعرض سيوفي ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الأزمة، موضحًا أن السيناريو الأول، وهو الأكثر ترجيحًا، يتمثل في استمرار الضربات المحدودة والمتبادلة مع بقاء قنوات التفاوض مفتوحة، بحيث تتحول العمليات العسكرية إلى وسيلة ضغط لتحسين شروط التفاوض، وليس لإنهائه.
أما السيناريو الثاني، فيتمثل في انهيار الاتفاق بالكامل إذا توسعت الضربات أو استهدفت منشآت استراتيجية كبرى أو أسفرت عن سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، وهو ما قد يفتح الباب أمام مواجهة يصعب احتواؤها.
وأشار إلى أن السيناريو الثالث، وهو الأقل احتمالًا في الوقت الراهن، يتمثل في نجاح الوسطاء الدوليين والإقليميين في إعادة تثبيت وقف إطلاق النار، والعودة إلى تنفيذ بنود الاتفاق مع إدخال تعديلات أو ضمانات إضافية تحول دون تكرار الخروقات.
وعن انعكاسات التصعيد على لبنان، أكد سيوفي أن الأزمة لا تقتصر على كونها شأنًا أمريكيًا إيرانيًا، موضحًا أن لبنان يظل من أكثر الدول تأثرًا بأي تطور في العلاقة بين الطرفين.
وأوضح أن لبنان دخل مرحلة جديدة بعد الاتفاق اللبناني الإسرائيلي الأخير، الذي يستهدف تثبيت الأمن على الحدود الجنوبية وحصر السلاح بيد الدولة، إلا أن أي انهيار كبير في التفاهم الأمريكي الإيراني قد ينعكس مباشرة على الداخل اللبناني، باعتباره إحدى ساحات التنافس الإقليمي والدولي.
وأضاف أن استمرار التصعيد قد يزيد من صعوبة تنفيذ الالتزامات الداخلية، ويرفع حجم الضغوط السياسية والأمنية على الحكومة اللبنانية، كما قد يعمق الانقسام الداخلي بشأن كيفية التعامل مع المتغيرات الإقليمية.
وفيما يتعلق بتوقيت الضربات الأخيرة، قال سيوفي إنها لم تكن مفاجئة، مشيرًا إلى أن العديد من الخبراء كانوا يتوقعون تعرض الاتفاق لاختبارات مبكرة، لأن وقف إطلاق النار لا يعني انتهاء أسباب النزاع، مضيفًا أن ما يجري حاليًا يؤكد أن الاتفاق كان بداية لمسار سياسي طويل، وليس نهاية للصراع.
وأشار إلى أن الملفات الخلافية بين واشنطن وطهران ما زالت قائمة، وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني، والعقوبات الاقتصادية، والنفوذ الإقليمي، وأمن الممرات البحرية، وهي ملفات لا يمكن تسويتها خلال فترة قصيرة.
واختتم سيوفي تصريحاته بالتأكيد على أن التطورات الراهنة لا تعني بالضرورة عودة الحرب الشاملة، لكنها تؤكد أن السلام لم يترسخ بعد، وأن المنطقة تمر بمرحلة انتقالية دقيقة تتداخل فيها المفاوضات مع الضربات العسكرية، والدبلوماسية مع الرسائل الميدانية، لافتًا إلى أن الاتفاق الأمريكي الإيراني يواجه أخطر اختبار منذ توقيعه، وأن الأيام المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيصمد أم سينهار، محذرًا من أن أي خطأ في الحسابات قد يحول التصعيد المحدود إلى مواجهة إقليمية واسعة يصعب السيطرة على تداعياتها