امتحانات "الباكالوريا" بالمغرب تُجدد المواجهة مع "أشباح الغش"
عادت ظاهرة "الغش في الامتحانات" لتتصدر واجهة النقاش التربوي والمجتمعي في المغرب، بعد إسدال الستار على اختبارات الدورة العادية للامتحان الوطني الموحد لنيل شهادة البكالوريا (دورة يونيو 2026)، لم تكن أوراق الإجابة وحدها هي الحدث، وسط استنفار أمني وتربوي غير مسبوق لمحاصرة أساليب التلاعب التي باتت تهدد مبدأ تكافؤ الفرص.
أرقام صادمة وتعبئة تقنية
في قراءتها الأولية لمجريات الاستحقاق الوطني، أكدت وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، أن الاختبارات التي أُجريت في الفترة ما بين 4 و6 يونيو الجاري، مرت في أجواء وصفتها بـ"الإيجابية والمنظمة". غير أن هذا التفاؤل التنظيمي لم يمنع الوزارة من كشف معطيات رقمية تعكس "شراسة" المعركة ضد الغش.
وأفادت الوزارة، في بلاغ رسمي لها، بأن آليات الرصد والضبط نجحت في محاصرة 4126 حالة غش، مسجلةً بذلك ارتفاعاً قياسياً بنسبة 49% مقارنة بدورة العام الماضي. وعزت الوزارة هذا الارتفاع ليس بالضرورة إلى تفشي الظاهرة فحسب، بل إلى "تطوّر يقظة الفرق المكلفة بالحراسة" وتعميم استخدام "الأنظمة الإلكترونية المتطورة" للكشف عن الأجهزة المحظورة، مؤكدة أنها لن تتوانى في تفعيل أقصى العقوبات القانونية والإدارية في حق المتورطين.
شهادات من الميدان: صراع "الذكاء" و"المحتوى"
يروي التلميذ عبد الرحمن (شعبة العلوم الفيزيائية) كواليس ما جرى داخل قاعات الامتحان، مشيراً إلى أن محاولات الغش لم تعد تقتصر على "الحروز" التقليدية (الأوراق المصغرة)، بل امتدت لتشمل "الساعات الذكية" وتقنيات متطورة.
ويضيف عبد الرحمن في حديثه لـ "سياق 24": "لقد كانت الآلات الكاشفة للأجهزة الإلكترونية بالمرصاد، ورغم الأجواء الإيجابية التي طبعت التعامل مع الأطر التربوية، إلا أن هناك ضغطاً نفسياً كبيراً يفرزه طول المقررات الدراسية وصعوبة استيعابها بالكامل، مما يدفع البعض للمخاطرة بالغش سعياً وراء شهادة تُعتبر في نظرهم مجرد 'تذكرة عبور' للمستقبل، بغض النظر عن جودة التحصيل".
المقاربة الزجرية.. هل تكفي؟
قانونياً، يضع المشرع المغربي عقوبات قاسية لردع المخالفين؛ حيث تنص المادة 8 من القانون رقم 02.13 على عقوبات حبسية تتراوح بين 6 أشهر و5 سنوات، وغرامات مالية قد تصل إلى 100 ألف درهم. ورغم صرامة هذا النص، يرى خبراء أن "العقوبة وحدها لا تصنع استقامة".
وفي هذا الصدد، يؤكد نور الدين عكوري، رئيس الفيدرالية الوطنية لجمعيات آباء وأمهات وأولياء التلاميذ، أن تطور أساليب الغش رغم تشديد الرقابة يثبت أن "المقاربة الزجرية وحدها تظل قاصرة". ويرى عكوري أن الظاهرة تتغذى من "ثقافة اجتماعية مشوهة" تربط النجاح بالنتيجة النهائية وليس بمبدأ الاستحقاق وبذل الجهد.
ويوضح عكوري لـ "سياق 24" أن المواجهة الحقيقية يجب أن تبدأ من "جذور النزاهة" في التنشئة الأولى، قائلاً: "عندما يترسخ لدى المتعلم أن الشهادة غاية تبرر الوسيلة، نكون أمام انهيار منظومة القيم. الأسرة هنا تتحمل مسؤولية جسيمة؛ فبعض الأسر، ومن فرط حرصها على مستقبل أبنائها، تمارس ضغوطاً نفسية رهيبة تدفع التلميذ نحو الغش تحت وطأة الخوف من الفشل".
ودعا عكوري إلى ضرورة بناء "شراكة استدامة" بين المدرسة والبيت، تنتقل من التنسيق المناسباتي إلى العمل القيمي المشترك، لجعل الغش "سلوكاً منبوذاً مجتمعياً" قبل أن يكون مخالفة قانونية.
هشاشة التكوين وضريبة "التساهل"
من زاوية بيداغوجية، يدق الأستاذ سلمان الحساني ناقوس الخطر، معتبراً أن الغش ليس مجرد مخالفة عابرة، بل هو "عائق بنيوي" يؤدي إلى "هشاشة التكوين" وضعف كفاءات خريجي الجامعات مستقبلاً.
ويعتقد الحساني أن "المستقبل المهني لا يبتسم إلا لأصحاب الكفاءات الأصيلة، أما من يعتمد على الغش فمصيره الركود المهني". ورغم إشادته بالإجراءات الحكومية والتشريعية، إلا أنه وضع إصبعه على جرح "التنفيذ"، محذراً من أن "تساهل بعض الأطر التربوية وتخليهم عن الحزم في قاعات الامتحان يضرب عرض الحائط بكل جهود الدولة، ويقوض مبدأ تكافؤ الفرص".
وشدد الحساني على ضرورة "تأطير الموارد البشرية" لضمان صرامة موحدة في جميع مراكز الامتحان، مؤكداً أن القطع مع هذه الظاهرة يتطلب "قوة وبصيرة ورؤية" تضع مصلحة الوطن فوق أي اعتبارات عاطفية مؤقتة.
خلاصة القول، يظل الرهان في المغرب ليس فقط في ضبط "حالات غش" إحصائية، بل في بناء ثقافة مجتمعية تجعل من "شهادة الباكالوريا" انعكاساً حقيقياً لمعرفة الطالب وجدارته، لا مجرد ورقة تُنال بـ "التحايل" خلف أسوار قاعات الامتحا