الأخبار

التشكيلية أصيل داود: المرأة وطن كلّما أثقلته الجراح ازداد جمالًا

اصيل داود
اصيل داود

أكدتْ الفنانة التشكيليةُ أصيل داود سلوم أنَّ الموروثَ الشعبيَّ بالنسبة لها ليس مجرّد ذاكرة من الماضي، بل هو انتماء وهوية ووطن، موضحةً أنّ المرأةَ في لوحاتها وطنٌ كلّما أثقلتهُ الجراحُ.. أزدادَ جمالًا.

  • البنتُ على سرّ ابيها، وأبوك علمٌ عراقيٌّ في مجال اللغة والأدب، لماذا لم تتجهي نحوه بموهبتك؟
  • الموهبةُ هي التي تُحددُ الاتجاه، أما الإبداع فلا تحدّهُ الاختصاصات. والدي، رحمه الله، كان ناقدًا أدبيًا وأديبًا كبيرًا، وأنا اتخذتُ الفن التشكيلي طريقًا لي. اختصاصان مختلفان، لكن يجمعهما شيء واحد.. الإبداع. الفنانُ يستمدُّ الكثير من إلهامه من الحرف؛ من نصٍّ أدبي أو قصيدة أو حكاية أو كلمة تحملُ إحساسًا عميقًا. والدي كان يرسمُ بالكلمات، والفنانُ يحول الكلمة إلى مشهد، والقصيدة إلى لون، والإحساس إلى صورة. ربما اختلفتْ أدواتنا، لكنهُ إبداعٌ واحد يتكلمُ بلغتين؛ هو كان يكتبُ فيتركُ صورة في مخيلة القارئ، وأنا أرسم لأترك حكاية في عين المتلقي. رحم الله والدي.. ترك لي إرثًا من الكلمة، وأنا أحاولُ أنْ أكمل الحكاية بلغة اللون.
  • ما الذي أخذتِ منه نصيحة أو توصية أو خلودًا؟
  • كان والدي، رحمه الله، يوصيني دائمًا ألّا أتخلى عن هدفي، وألّا أترك مجال العمل الفني، وأنْ أواصل طريقي في الإبداع مهما كانت الظروف. وكان دائم السؤال لي: «ماذا أنجزتِ من جديد؟». لم يكن سؤاله مجرد سؤالٍ عابر، بل كان دافعًا مستمرًا لي كي أبحث دائمًا عن الجديد، وأطوّرُ تجربتي، وألا أتوقفُ عند إنجاز واحد. ومن أجمل ما أوصاني به أن يكون لعملي واسمي بصمة لا تُنسى في عالم الفن؛ لأنّ الفنان، كما كان يرى، لا يكتفي بأن ينجز عملًا جميلًا، بل يتمنى أن يبقى أثره حاضرًا، وأن يُذكر العمل باسمه، لتصبح تجربته جزءًا من ذاكرة المجتمع والفن. وأذكر موقفًا لا أنساه. في إحدى المرات صدر كتاب عن قصص الأنبياء، وكانت الرسومات التي تضمنها الكتاب من إنجازي، لكن اسم الرسامة لم يُذكر. يومها وبّخني والدي، رحمه الله، وقال لي ما معناه: لا تتخلي عن حلمك، ولا تسمحي أن يضيع اسمك خلف عملك. اليوم، كلما أنجزتُ عملًا فنيًا يحمل اسمي، أتذكرُ تلك الكلمات وأشعرُ أنني ما زلتُ أسمع صوته وهو يسألني: ماذا أنجزتِ من جديد؟ أدرك الآن أنّ الفنان لا يخلّد نفسه بالكلمات فقط، بل بما يتركه خلفه من أثر. فاللوحة قد تعيش بعد صاحبها، والاسم قد يبقى مرتبطًا بمنجز صنعه بإخلاص وشغف. رحم الله أبي، فقد وفّى بثلاثة أشياء ستبقى في قلبي ما حييت: النصيحة، والتوصية، والخلود. نصحني أن أواصل، وأوصاني ألّا أتخلى عن حلمي، وعلّمني أن أصنع لي بصمة تبقى بعدي. وما أفعله اليوم في الفن هو، في جانب كبير منه، وفاء لوصيته. رحمك الله يا أبي.. ما زالت كلماتك ترسم طريقي، وما زلت أبحث عن إجابة لسؤالك: ماذا أنجزتِ من جديد؟
  • من اختار لكِ طريق الرسم ليستقطب اهتمامكِ
  • أحببتُ الرسم منذ نعومة أظافري، وتعلّقتُ بالقصص المرسومة إلى حدٍّ جعلني أرسمُ حتى أثناء الدرس، على دفاتري وكتب المنهج، وكأنّ الورق كان يجدُ طريقه إلى يدي قبل أن أجد أنا طريقي إلى الفن. لكنّ الموهبة وحدها لا تكفي. من ساعدني وأخذ بيدي في بداياتي كان والدي ووالدتي، رحمهما الله. كانا أول من آمن بموهبتي، وأول من شجّعني على أن أحوّل هذا الشغف الصغير إلى طريق أواصل فيه حياتي. الاختيار قد يكون قرارًا فرديًا، والنجاح ثمرة جهد شخصي، لكنّ الاستمرار يحتاجُ إلى ظروفٍ محيطة تساعدُ الإنسان وتمنحه مساحة ليكبر ويبدع. وحين لا تساعدنا الظروف، يبقى أمامنا شيء واحد لا يستطيعُ أحدٌ أن ينتزعه منا: الإصرار. وأنا وصلتُ بالإصرار. لم يكن الطريق دائمًا سهلًا، لكنني كنتُ أؤمنُ بأن الموهبة إذا رافقها العمل والصبر لا بدّ أن تجد طريقها. ومع كل تجربة، وكل لوحة، وكل محاولة، كنتُ أقتربُ أكثر من نفسي ومن هويتي الفنية. حتى أصبح ذلك الشغف الذي بدأ بطفلة ترسم على دفاتر المدرسة، هو اليوم التشكيلية أصيل سلوم. رحم الله والديّ، فقد كانا أول يد أمسكت بيدي، وأول عين رأت في داخلي فنانة قبل أن أرى أنا نفسي كذلك.
  • ما الباب الذي تفتحهُ لكِ اللوحة وأنتِ تضعين اللمسة الأولى بالفرشاة على سطح القماشة؟
  • أنا أحاورُ مجتمعي من خلال الفن.. والمجتمعُ العراقيُّ ليس مجتمعًا سهلًا؛ فهو مجتمع عريق، متعدد الثقافات والأفكار، يحملُ في داخله الكثير من الحكايات والوجوه والذاكرة. تارةً أرسمُ المرأة، فأحاول أن أعبّر عن قوتها وصبرها ومظلوميتها، وتارةً أرسمُ الشهيد، فأستحضرُ معنى التضحية والانتماء، وأحيانًا أرسمُ الأم، تلك التي تختصر في حضورها معنى الوطن والحياة. أنا أحاورُ مجتمعي، وأترجمُ حبي لهذا الانتماء إلى ألوان. لذلك لا تكاد تخلو لوحة من لوحاتي من رسالة، حتى وإنْ بدت في ظاهرها بحثًا عن الجمال. أؤمن أنّ الفن رسالة، وأنّ الفنان لا يرسمُ ما تراه العين فقط، بل يرسمُ ما يشعر به القلبُ وما يختزنه الوجدان. وإنْ كان الفن للجمال، فأنا أؤمنُ أنّ أجمل ما يمكن أن يخلّده الفنان هو مقالٌ ملوّن في حب وطنٍ جريح.. وطنٍ نحبه بكل أوجاعه، ونحلمُ أنْ نراه يومًا أكثر جمالًا وسلامًا.
  • أيّ الأساليب الفنية تتميزين بها؟
  • أقربُ المدارس الفنية إلى أسلوبي هي المدرسة التعبيرية، لأنها الأقربُ إلى رؤيتي في التعامل مع اللون والخط والفكرة، وإلى رغبتي في أن تحملَ اللوحة إحساسًا ورسالة تتجاوزُ مجرد نقل الواقع، والتي كانت في أعمالي «الحانية» و«لعابة الصبر»، لكن هذا لا يعني أنّ الفنان يبقى أسير مدرسة فنية واحدة؛ فالفنان الحقيقي قد ينتقل بين المدارس والأساليب بحسب الفكرة التي يريد التعبير عنها. فقد تدفعه بعض الأفكار إلى الاقتراب من الواقعية، ومنها عملي «ترميم الروح»، عندما يحتاجُ إلى دقة التفاصيل ووضوح المشهد، وقد تدفعه فكرة أخرى إلى التجريد عندما يريدُ اختزال المعنى وتحريره من الشكل المباشر. فالمدارس الفنية بالنسبة لي ليست حدودًا مغلقة، وإنما أدوات ووسائل أختارُ منها ما يخدمُ الفكرة والعمل الفني.
  • ما سرّ اهتمامك بالموروث الشعبي والرموز؟
  • الموروثُ الشعبي بالنسبة لي ليس مجرد ذاكرة من الماضي، بل هو انتماء وهوية ووطن عاش في قلوبنا وتغلغل في أعماق وجداننا. أعشقُ الموروث الشعبي وأهيمُ بحضارة منحتني سعة الفكر والشعور بالفخر؛ فكيف لا أعتزُ بهوية أنارت درب العالم، وقدمتْ للحضارة الحرف الأول، والفن، والجمال، وفتحتْ للإنسان أبواب المعرفة والإبداع؟ الكثير من أفكار أعمالي أستنبطها من الموروث الشعبي والحضارة العراقية، لأنني أرى فيهما مادة غنية لا تنضب، تختزنُ الحكاية والرمز والذاكرة والإنسان. ومن هذه الذاكرة جاءت أعمال مثل «قارب الموت»، المستوحى من حكاية بابلية أتخيلُ فيها الموت قادمًا في قارب ليأخذ أحباءنا، وكذلك أعمال أستلهمُ فيها مفردات من حياتنا الشعبية مثل «لعابة الصبر» و«الفليفلة والسروط وتل اليشن» من مدينة العمارة، وصينية خضر الياس ومسلة النصر. لا أنقلُ الموروث كما هو، بل أحاولُ أن أعيد قراءته بعين الفنان، وأن أحوله إلى صورة معاصرة تحملُ روح الماضي وأسئلة الحاضر. فالموروث بالنسبة لي ليس قيدًا على الإبداع، بل هو أحد منابع الإبداع. وأؤمنُ أن الفنان يستطيعُ أن يبتكر ويجدد، لكنه لا يستطيع أن يفصل إبداعه تمامًا عن جذوره؛ فالهوية تتسلل إلى اللون والخط والرمز والفكرة، حتى وإنْ لم يتعمد الفنان ذلك. الإبداع لا يمكن فصله عن الهوية، والهوية لا يمكن فصلها عن جذور الفنان. وكلما تعمق الفنان في ذاكرته وبيئته وحضارته، استطاع أن يقدم للعالم فنًا يحملُ خصوصيته، وفي الوقت نفسه يستطيع الآخر أن يرى فيه جزءًا من إنسانيته.

  • حضرت المرأة بقوة في لوحاتك.. لماذا وكيف تنظرين؟
  • المرأة أكثرُ من نصف المجتمع؛ أراها الأم، وأراها الصبر حين يصبح الصبر وطنًا. أراها تلك التي قدّمت الشهيد للوطن، والتي علّمت وضحّت، ومنحت الحب بلا حدود، حتى غدا المجتمع يبني حياته على أكتافها، ثم جار عليها في كثير من الأحيان. أراها امرأة تحملُ في قلبها وجعها ووجع من حولها، ومع ذلك تواصل العطاء، تقاوم، وتربي، وتمنح الأمل. في أعمالي لا أرى المرأة مجرد جمال أو ملامح؛ أراها حكاية وطن، وذاكرة أم، وصبر زوجة، وشموخ أخت، وبراءة طفلة، وقوة إنسانة قاومت الحياة ولم تنكسر. أراها الوطن الجميل الذي لا يشيخ أبدًا؛ وطنًا كلما أثقلته الجراح، ازداد جمالًا، وكلما مرّ عليه الزمن، بقي في عيوننا حيًّا، نابضًا، ومليئًا بالحب.
  • رسوماتك عن الأهوار مدهشة.. هل هو احتجاج على تصحّرها أم للتذكير بها؟
  • عندما نعشقُ الحياة، نعشقُ صدق الجمال.. والأهوار هي صورة حقيقية لذلك الجمال؛ طبيعة لم تُدجَّن، ولم تُدنَّس، وبيئة عاش فيها الإنسان العراقي منذ آلاف السنين بالروح ذاتها، متصالحًا مع الماء والقصب والطبيعة، محافظًا على تفاصيل حياة تشبهه وتشبه أرضه. الأهوار ليست مجرد مسطحات مائية، وليست مشهدًا طبيعيًا عابرًا.. إنها امتداد حيّ لحضارة العراق في زماننا الحاضر، وجزء من ذاكرتنا وهويتنا وجذورنا. نحن كعراقيين نَحنّ إلى جذورنا، إلى وطنٍ كل حجر فيه يحكي حكاية، وكل نهر يحملُ ذاكرة، وكل قصبة تختزنُ صوت أجدادنا. لذلك لا أريدُ أن أقول: تصحّر.. بل أقول: طمسٌ لهوية وطن وحضارة عراقية عاشت آلاف السنين. ومع ذلك، لا أستطيعُ أن أقول إنني أرسمُ الأهوار للتذكير بها؛ فكيف نذكّرُ بما هو خالد؟ الأهوار حية كما دجلة والفرات، خالدة كما ألواح سومر، باقية في الوجدان العراقي ما بقيت هذه الأرض. وسيأتي من بعدنا من ينظرُ إليها، لا ليقول: «كانوا هنا».. بل ليقول: عاشوا هنا.. وما زالت الأهوار مستمرة. وما زال العراقُ حيًّا في مائه وقصبه وذاكرته.

  • لماذا جعلتِ حكاية شهرزاد الأخيرة من ألف حرب وحرب؟
  • الفن رسالة إلى المجتمع، ورسالة إلى صُنّاع القرار، وربما رسالة إلى أجيالٍ ستأتي بعدنا لتقرأ ما حكيناه نحن، كما كانت شهرزاد تحكي في البساط السحري والعفريت والمارد الذي ينقل قصر الملك. جيلنا لم يعش كثيرًا من هدوء الحياة؛ فقد حمل ذاكرة الحروب والقتل والدم والدمار، وكلما تألّم الوطن من جرح، تألمنا معه، وعشنا وجعه كمداً وحسرة عليه. والفنان، في رأيي، لا يستطيع أن يقف بعيدًا عن هذا الألم؛ فهو ابن بيئته، يرى ما يراه الناس، لكنه يترجم ذلك الواقع بلغة أخرى.. لغة اللون والخط والرمز. قد لا يستطيع الفنان أن يغيّر الواقع بيده، لكنه يستطيعُ أن يوثّقه، وأن يترك شاهدًا عليه. اللوحة قد تصبح وثيقة صامتة، تقرأها الأجيال القادمة فتدرك كيف عاش هذا الجيل، وماذا عانى، وماذا أحب، وماذا خسر، وماذا كان يحلم به. أنا أؤمن أنّ الفن ليس للجمال وحده. نعم، الفن جمال، والفن للفن، لكن الجمال الحقيقي لا ينفصل عن الإنسان وواقعه وذاكرته.
  • يسعى الرسامون إلى البورتريه..! أينكِ منه؟
  • أغلب الشخصيات التي تظهر في أعمالي مستمدة من الواقع، فأنا لا أرسم الشخصية من الخيال بمعزل عن الإنسان الحقيقي وتفاصيله. لذلك وجدتُ أنّ البورتريه حاضر في تجربتي الفنية، حتى وإنْ لم أتعامل معه دائمًا بوصفه عملًا مستقلاً أو تقليديًا. أنا أوظفُ البورتريه داخل العمل، وأجعله جزءًا من الحكاية والرسالة. فالوجه بالنسبة لي ليس مجرد ملامح أرسمها بدقة، وإنما هو ذاكرة ومشاعر وهوية وحكاية. قد تكون الشخصية امرأة عراقية، أمًّا، شهيدًا، أو إنسانًا يحملُ في ملامحه أثر وطنه وحياته. لهذا لم أفصل البورتريه عن أعمالي؛ بل جعلته وسيلة للتعبير. أحيانًا تكون الملامح هي التي تقودني إلى فكرة العمل، وأحيانًا تكون الشخصية جزءًا من المشهد، لكن في الحالتين أحاول أن أمنح الوجه حياة تتجاوز التشابه الخارجي، ليصبح قادرًا على إيصال إحساس أو موقف أو رسالة. بالنسبة لي، البورتريه ليس أن أرسم وجهًا فحسب، بل أن أقرأ ما وراء الوجه.
  • ما أبرز ثلاث محطات في مسيرتك الفنية؟
  • عندما عملتُ في مجلتي «والمزمار»، كانت تلك المحطة الأولى التي بدأتُ فيها أرسم لنفسي طريق النجاح، وأقترب خطوة من حلم طالما راودني منذ طفولتي؛ حلم أن أكون قريبة من عالم الفن والرسم. وبعد أن أكملتُ دراستي في التصميم، جاء تخصصي في الرسم ليمنحني شعورًا بأنني أتممتُ نعمة طالما تمنيتها. كان دخولي إلى أكاديمية الفنون الجميلة، قسم الرسم، لحظة فارقة في حياتي؛ فقد شعرتُ أنني وصلتُ أخيرًا إلى المكان الذي ينتمي إليه شغفي. ومع بداية دراستي، بدأت أعمالي تلقى استحسان أساتذتي، وكان ذلك يمنحني ثقة وفخرًا كبيرين، ويؤكد لي أنّ الطريق الذي اخترته لم يكن مجرد حلم، بل طريق أستطيعُ أن أبني فيه اسمي وهويتي الفنية. ثم جاءت مشاركتي في المعارض داخل العراق وخارجه لتفتح أمامي أبوابًا جديدة. فالمشاركة خارج الوطن لم تكن مجرد عرض للوحة، بل كانت فرصة لأن يصل اسمي وأعمالي إلى جمهور أوسع، وأن أصبح حاضرة في المشهد التشكيلي على مستوى الوطن العربي.
  • كإمرأة رسامة، هل يمنحك الرسم فسحة التعبير عن ذاتك بدل الشكوى من عناءات معينة؟
  • أكيد، لكن ليس كل الأعمال. إحدى أعمالي «طائر الشمس»، هذه اللوحة رسمتُها بعد خروجي من حزن فقد والدتي. أغلب لوحاتي مأخوذة من واقع المجتمع العراقي، وبعضها من قصص قريبة إلى نفسي، لا أتكلم بها، بل أترجمها إلى عمل فني.
  • كم يمنحك الرسم من حرية لا تجدينها في الواقع؟
  • الفنان محصورٌ بمجتمع مساحته محدودة جدًا، لا أجد لحرية التعبير مساحة كثيرة. هناك النقد غير البناء، وتقبل المجتمع للعمل واقتناء العمل، لكل من هذه الأمور أحسب حسابات على أساس مساحة الحرية باللوحة.
  • ما المرأة الأجمل في رسوماتك؟
  • المرأة التي تؤثر بالمتلقي هي الأجمل، لكل فكرة أرسمها توجد ملامح لامرأة عجبنا منها، ستبقى ويخلد بها العمل الفني.
  • أي طموح ما زال في نفسك وأنت تقفين أمام هذا الكم والنوع من رسوماتك؟
  • الطموح إلى النجاح لا يقف عند حد، ولا أظن أن الفنان يصل يومًا إلى مرحلة يقول فيها: اكتفيت. هناك دائمًا حلم آخر، ومرتبة أخرى يتطلع إليها، وسؤال جديد يطرق أبواب الروح. أما أكثر ما يدور في ذهني اليوم، فليس فقط: هل نجحت؟ بل: هل ستبقى أعمالي في ذاكرة من أحبوا فني؟ أتساءل أحيانًا: هل ستعيش لوحاتي بعدي؟ هل ستظل هناك عين تتوقف أمامها، وقلب يشعر بما أردت قوله، وإن لم يعد صاحبها موجودًا؟ أم سيأتي يوم تصبح فيه أعمالي مجرد أسماء وألوان محفوظة في ذاكرة النسيان؟ أحلم أن تتجاوز أعمالي زمنها، وألا تكون مجرد لوحات عاشت معي ثم انتهت بانتهائي. أريد أن تترك أثرًا، وأن تحمل شيئًا من روحي وفكري ووجعي وحبي لوطني واهتمامي بالإنسان والمرأة والحياة. ربما هذا هو المعنى الحقيقي لطموح الفنان: أن يبحث عن الخلود بالكلمة واللون. وكما بحث كلكامش عن الخلود، أبحث أنا أيضًا عن طريقتي في أن أبقى؛ لا بجسدي، وإنما بما أتركه خلفي من أثر. لا أعرف هل سأصل يومًا إلى تلك المرحلة التي أسميها «الخلود الكلكامشي»، لكنني أعرف أنني سأظل أرسم وأنا أحاول الوصول إليها. فالفنان قد يغيب، لكنني أؤمن أن العمل الذي يحمل صدق صاحبه يستطيع أن يعاند الزمن.. وربما، ذات يوم، يطرق أبواب الخلود.