وثائق جديدة واختبارات ميدانية مزعومة تعيد الاتهامات إلى صدارة المشهد
ملف الكلور يفتح مواجهة جديدة بين السودان والمجتمع الدولي
دخل ملف الأسلحة الكيميائية في السودان مرحلة أكثر حساسية، بعد ظهور مجموعة جديدة من الوثائق والصور ومقاطع الفيديو والرسائل التي قالت صحيفتا «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست» إنها تعزز الاتهامات بشأن تطوير الجيش السوداني ذخائر تعتمد على غاز الكلور خلال عام 2024.
وتضم المجموعة، بحسب التحقيقين المنشورين في 5 سبتمبر الجاري، نحو 150 وثيقة وصورة ومقطع فيديو وتسجيلًا صوتيًا، إلى جانب آلاف الرسائل النصية، وتعرض ما تصفه المصادر بأنه تفاصيل عن مراحل تصنيع واختبار ذخائر كيميائية، فضلًا عن محاولات لإخفاء آثار البرنامج بعد اكتشافه من جانب الولايات المتحدة.
وأثارت المواد الجديدة اهتمامًا واسعًا بين خبراء الأسلحة الكيميائية والاستخبارات، إذ قالت «واشنطن بوست» إنها عرضت الأدلة على أكثر من 20 مسؤولًا وخبيرًا غربيًا، وخلص هؤلاء إلى أن المواد تمثل مؤشرات ذات مصداقية على وجود برنامج للأسلحة الكيميائية، مع التشديد على أن إثبات الأمر بصورة نهائية يتطلب الوصول إلى المواقع والشهود والأدلة المادية.
اختبارات في الصحراء وذخائر بالكلور
وتشير الوثائق المنشورة إلى أن البرنامج المزعوم بدأ في منتصف عام 2024، عندما عمل ضباط بالجيش على تطوير ذخائر تجمع بين المواد المتفجرة والكلور، قبل إجراء اختبارات في مناطق صحراوية.
وتقول «واشنطن بوست» إن أحد مقاطع الفيديو يظهر طائرة تقترب من موقع اختبار، قبل سقوط ذخائر وظهور سحابة صفراء، وهي صورة قال خبراء إن لونها يتوافق مع خصائص غاز الكلور، وإن كان الفيديو وحده لا يكفي لإثبات طبيعة المادة المستخدمة.
كما تتحدث الوثائق عن ذخائر جرى تصميمها بحيث تجمع بين التأثير الانفجاري والتعرض للغاز، فيما تشير مواد أخرى إلى تصنيع مئات القنابل وتخزين بعضها في مواقع عسكرية.
وبحسب «نيويورك تايمز»، تتضمن الملفات مخططات لذخائر، وصورًا لعمليات تصنيع، ورسائل منسوبة إلى ضباط عسكريين، فيما قالت الصحيفة إن بعض المواد المصورة سبق أن وصلت إلى أجهزة استخبارات أمريكية واستخدمت في تقييمات خلال يناير 2025.
الجيلي في قلب الاتهامات
ويعود اسم مصفاة الجيلي شمال الخرطوم إلى واجهة الملف، بعدما ارتبطت المنطقة باتهامات سابقة بشأن استخدام مواد كيميائية خلال سبتمبر 2024.
ونشرت «ذا ناشيونال» في 6 سبتمبر رواية شاهد قال إنه رأى خمسة أشخاص يعانون صعوبة في التنفس بالقرب من مصفاة الجيلي في بداية سبتمبر 2024، بالتزامن مع القصف الذي شهدته المنطقة. وتظل هذه الرواية، مثل غيرها من المواد الجديدة، جزءًا من ملف الاتهامات الذي يحتاج إلى تحقق فني مستقل.
السودان ينفي.. والضغوط الدولية تتزايد
في المقابل، تواصل السلطات السودانية والجيش رفض الاتهامات، معتبرة ما نشرته التقارير الإعلامية بلا أساس مادي.
لكن القضية لم تعد محصورة في السجال بين الخرطوم وواشنطن، إذ تواصل منظمة حظر الأسلحة الكيميائية متابعة المزاعم المتعلقة باستخدام هذه الأسلحة في السودان، بينما تشير التقارير الدولية إلى أن عدة دول طلبت توضيحات بشأن الملف.
ويكتسب هذا التطور أهمية خاصة لأن السودان دولة طرف في اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية منذ عام 1999، بما يضع أي إثبات لتطوير أو إنتاج أو استخدام هذه الأسلحة في إطار التزامات دولية تتجاوز حدود الحرب الداخلية.
البرهان في دائرة الأسئلة
وتزيد الوثائق الجديدة من الضغوط السياسية على رئيس مجلس السيادة والقائد العام للجيش السوداني، عبدالفتاح البرهان، بعدما أشارت تقارير إلى وجود رسائل واتصالات منسوبة إلى مسؤولين عسكريين كبار بشأن البرنامج المزعوم.
لكن نسبة هذه الاتصالات إلى أصحابها ودلالتها القانونية ومسؤولية القيادة عنها تظل مسائل تحتاج إلى تحقيق مستقل، ولا يمكن حسمها اعتمادًا على مواد صحفية أو وثائق استخباراتية مسربة وحدها.
وهنا تبرز أهمية فتح المجال أمام تحقيق فني مستقل يستطيع الوصول إلى مواقع الاختبارات والتصنيع المزعومة، وفحص بقايا الذخائر والعينات البيئية والطبية، والاستماع إلى الشهود، ومقارنة الأدلة الرقمية بالوقائع الميدانية.
من الاتهام إلى الدليل
ومع دخول القضية أسبوعًا جديدًا من التصعيد الإعلامي والدبلوماسي، أصبح السؤال الرئيسي لا يتعلق فقط بما إذا كانت هناك وثائق تشير إلى برنامج كيميائي، وإنما بما إذا كان المجتمع الدولي قادرًا على تحويل هذه المواد إلى أدلة فنية وقانونية قابلة للتحقق.
فإذا أثبت التحقيق المستقل وجود أسلحة كيميائية واستخدامها، فستكون القضية تطورًا بالغ الخطورة في مسار الحرب السودانية، أما إذا أثبتت التحقيقات عدم صحة الاتهامات، فسيكون الوصول إلى الحقيقة أيضًا مكسبًا للخرطوم.
وفي الحالتين، تبدو الحاجة إلى تحقيق مستقل أكثر إلحاحًا مع اتساع حجم الوثائق والشهادات والمواد التي ظهرت خلال الأيام الأخيرة.