هل يغيّر قواعد الحرب ويعيد رسم ميزان القوة؟
حظر الطيران يقترب من طاولة النقاش بشأن السودان
تدخل الحرب السودانية مرحلة جديدة من الضغوط الدولية مع استعداد مجلس الأمن لمناقشة تطورات الصراع وتداعياته الإنسانية، وسط طرح متزايد لفكرة فرض قيود على استخدام الطيران في مناطق القتال باعتبارها إحدى الأدوات التي يمكن أن تدخل ضمن مسار حماية المدنيين والحد من القدرات العسكرية للأطراف المتحاربة.
ويعقد مجلس الأمن، الاثنين 24 أغسطس 2026، جلسة مفتوحة بشأن السودان تركز على حماية المدنيين والتداعيات الإنسانية للصراع، في ظل تصاعد القتال وتدهور الوضع الإنساني، خصوصًا في مناطق كردفان ودارفور. ومن المقرر أن يقدم مسؤولون أمميون إحاطات للمجلس بشأن التطورات الأمنية والإنسانية، إلى جانب الاستماع إلى ممثلة عن المجتمع المدني.
وفي هذا السياق، يكتسب الحديث عن حظر الطيران أهمية خاصة، ليس باعتباره قرارًا صادرًا بالفعل، وإنما كمقترح يمكن أن يفتح نقاشًا دوليًا حول استخدام المجال الجوي كأداة للضغط على طرفي الحرب.
لماذا أصبح حظر الطيران مطروحًا؟
تنبع أهمية المقترح من طبيعة الحرب نفسها؛ فالمجال الجوي أصبح جزءًا أساسيًا من العمليات العسكرية، بينما تتزايد أهمية الطائرات والمسيّرات في الاستطلاع والهجوم وتحديد مواقع القوات.
ومن هنا، فإن فرض قيود على النشاط الجوي في مناطق محددة يمكن أن يحرم طرفي الصراع من إحدى الأدوات المهمة في إدارة المعارك، خصوصًا إذا جاء الإجراء بصورة متوازنة وشمل مختلف الأطراف.
لكن نجاح الفكرة لن يتوقف على صدور قرار سياسي فقط؛ فالحظر الجوي الحقيقي يحتاج إلى تحديد المناطق المشمولة، ومراقبة المجال الجوي، ورصد الخروقات، وتحديد الجهة القادرة على تنفيذ القرار.
وهذه النقطة تحديدًا تجعل المقترح أكثر تعقيدًا من مجرد إعلان سياسي.
ماذا سيحدث للجيش والدعم السريع؟
إذا تحول المقترح إلى قرار ملزم وقابل للتنفيذ، فإن أول النتائج المتوقعة ستكون تقليص قدرة القوات المسلحة السودانية على استخدام الطيران العسكري في المناطق المشمولة بالحظر.
وفي المقابل، فإن منع استخدام الطائرات المسيّرة والوسائل الجوية الأخرى التابعة لقوات الدعم السريع سيضع قيودًا على قدرتها على تنفيذ الهجمات والاستطلاع من الجو.
وهنا تظهر معادلة شديدة الحساسية:
الجيش قد يفقد جزءًا من تفوقه الجوي، بينما قد تفقد قوات الدعم السريع جزءًا من قدرتها على استخدام المسيّرات والوسائل الجوية.
وبالتالي، فإن الحظر المتوازن قد يؤدي إلى تقليل إحدى أهم أدوات القوة لدى الطرفين، ويدفعهما إلى إعادة ترتيب أولوياتهما العسكرية.
النتيجة الأولى.. عودة الحرب إلى الأرض
أحد أبرز النتائج المحتملة لتطبيق حظر جوي فعال سيكون انتقال جزء أكبر من العمليات إلى الميدان البري.
فمع تراجع القدرة على استخدام الطائرات والمسيّرات، ستزداد أهمية القوات البرية والمدفعية والاستخبارات الأرضية، وقد تصبح السيطرة على الطرق والمدن والمواقع الاستراتيجية أكثر أهمية من السيطرة على المجال الجوي.
لكن هذا السيناريو لا يعني بالضرورة انتهاء القتال.
بل يمكن أن يؤدي، في المدى القصير، إلى زيادة الاعتماد على العمليات البرية، وربما اشتداد المعارك حول المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية، خصوصًا إذا حاول أي طرف استغلال القيود الجوية لتحسين مواقعه على الأرض.
النتيجة الثانية.. هل يتغير ميزان القوة؟
النتيجة الأكثر إثارة للجدل تتعلق بميزان القوة.
فإذا كان أحد طرفي النزاع يعتمد بدرجة أكبر على القوة الجوية، فإن تقليص استخدامها قد يؤدي إلى تراجع إحدى نقاط تفوقه.
وفي المقابل، إذا كان الطرف الآخر يعتمد على المسيّرات والهجمات الجوية غير التقليدية، فإن الحظر قد يحرمه من جزء من قدراته العملياتية.
ولهذا فإن مدى تأثير الحظر لن يتحدد بمجرد إعلانه، وإنما بطريقة تطبيقه ونطاقه وقدرة الجهة الدولية على فرضه على الطرفين دون استثناء.
النتيجة الثالثة.. ضغط عسكري يتحول إلى ضغط سياسي
قد تكون النتيجة الأهم للحظر الجوي المحتمل خارج ساحة المعركة نفسها.
فإذا نجح المجتمع الدولي في فرض قيود فعلية على الأدوات الجوية المستخدمة في الحرب، فقد ينتقل الضغط من مجرد الدعوة إلى وقف إطلاق النار إلى التأثير المباشر في قدرة الأطراف على مواصلة العمليات العسكرية.
وهذا يمكن أن يخلق ظروفًا أكثر ملاءمة للوساطة والمفاوضات، خصوصًا إذا تزامن مع فتح ممرات إنسانية وضغوط لوقف إطلاق النار.
لكن ذلك يتطلب أن يكون الإجراء مترافقًا مع مسار سياسي واضح، حتى لا يتحول الحظر إلى مجرد قيود عسكرية من دون أفق للتسوية.
العقبة الكبرى.. من سينفذ الحظر؟
هنا تكمن أصعب حلقات المقترح.
فإنشاء منطقة حظر جوي يتطلب أكثر من قرار صادر عن مجلس الأمن. هناك حاجة إلى منظومة مراقبة جوية واستخباراتية، وقدرات للتعامل مع الطائرات والمسيّرات المخالفة، فضلًا عن تحديد الجهة التي ستتحمل مسؤولية التنفيذ.
كما أن فرض الحظر على طرف واحد فقط قد يؤدي إلى اختلال خطير في ميزان الحرب، بينما يتطلب الحظر المتوازن مراقبة جميع الأطراف والتعامل مع أي خرق بالطريقة نفسها.
ولهذا فإن الفارق بين حظر جوي على الورق وحظر جوي قابل للتنفيذ على الأرض سيكون هو العامل الحاسم في النتائج.
هل يمكن أن يصبح المقترح بداية لمسار جديد؟
المؤكد أن مجلس الأمن يضع حماية المدنيين والتداعيات الإنسانية للحرب السودانية على جدول اهتمامه مجددًا، في ظل استمرار القتال وتدهور الأوضاع الإنسانية.
كما أن الحرب نفسها لا تزال مستمرة منذ أبريل 2023، مع استمرار الانقسام العسكري والجغرافي بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، وتدهور الأوضاع الأمنية والإنسانية بصورة واسعة.
ومن هنا يمكن النظر إلى مقترح حظر الطيران باعتباره اختبارًا لمدى استعداد المجتمع الدولي للانتقال من الإدانات والدعوات السياسية إلى أدوات أكثر تأثيرًا في مسار الحرب.
فإذا بقيت الفكرة في حدود النقاش، فلن يتغير الواقع العسكري بصورة مباشرة.
أما إذا تحولت إلى قرار واضح، محدد النطاق، ومدعوم بآلية تنفيذ ومراقبة، فقد تبدأ مرحلة مختلفة في الحرب السودانية؛ مرحلة تقل فيها قدرة الأطراف على استخدام السماء كسلاح، ويصبح السؤال الأساسي هو: من يستطيع تحقيق مكاسب أكبر على الأرض وفي مائدة التفاوض؟
وفي هذه الحالة، لن يكون حظر الطيران مجرد إجراء لحماية المدنيين، بل قد يتحول إلى ورقة ضغط استراتيجية تعيد تشكيل حسابات الجيش والدعم السريع، وتدفعهما تدريجيًا نحو اختبار خيار التفاوض بدلًا من الرهان المفتوح على الحسم العسكري.
ويبقى اجتماع مجلس الأمن المرتقب محطة مهمة لمعرفة ما إذا كان الحديث عن هذه الأدوات سيتحول إلى مقترحات رسمية قابلة للنقاش، أم سيظل ضمن دائرة الضغوط الدولية والمطالبات بحماية المدنيين ووقف الحرب.