فيلم إسرائيلي يفكك آليات الحرب في غزة بشهادات من داخل المؤسسة العسكرية
«نازا».. حين تأتي الضربة إلى الرواية الإسرائيلية من الداخل
رد رسمي قد يحوّل العمل السينمائي إلى قضية سياسية
في إسرائيل، لم ينتهِ الجدل الذي فتحه السابع من أكتوبر 2023 عند حدود الإخفاق الاستخباري والعسكري الذي سمح بالهجوم، ولا عند الأسئلة المتعلقة بالمسؤولية السياسية والأمنية عن ذلك اليوم. فبعد سنوات من الحرب، لا تزال الدولة تعيش معركة موازية حول الرواية: كيف تُروى الحرب؟ ومن يملك حق تعريف ما جرى؟ وما الذي يمكن أن يعرفه الإسرائيليون عن الطريقة التي تُدار بها العمليات في غزة؟
في هذا السياق، جاء فيلم «نازا» من داخل إسرائيل نفسها، ليضع طبقة جديدة من الأسئلة على الطاولة.
الفيلم، من إخراج الإسرائيليين يوفال أبراهام وراحيل تسور، حصل على جائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان فينيسيا السينمائي، بعد عرضه ضمن المسابقة الرسمية. وهو العمل الثاني للمخرجين بعد مشاركتهما في إخراج الفيلم الوثائقي «لا أرض أخرى»، الذي فاز بجائزة الأوسكار عام 2025.
لكن قيمة «نازا» في السياق السياسي والإعلامي لا تأتي من الجائزة وحدها. الأهم هو المادة التي بنى عليها الفيلم روايته: مقابلات سرية مع 24 من العسكريين وعناصر الاستخبارات الإسرائيليين، جرى إخفاء هوياتهم، وتحدثوا عن منظومات الاستهداف والرقابة والقرارات المرتبطة بالعمليات العسكرية في غزة. وهنا تبدأ أهمية الفيلم الحقيقية.
من سؤال «ماذا حدث؟» إلى سؤال «كيف اتُّخذ القرار؟»
خلال الحرب، امتلأت الساحة الدولية بصور الدمار والضحايا والتقارير والتحقيقات حول العمليات الإسرائيلية في غزة. لكن «نازا» يحاول الاقتراب من طبقة مختلفة من القصة: الآليات التي سبقت الضربة نفسها.
الفيلم، بحسب تعريف مهرجان فينيسيا وصانعيه، يبحث في الأنظمة المستخدمة لتحديد الأهداف وفي الطريقة التي دخلت بها التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي إلى عملية الاستهداف. وقد صُوّر على مدى ثلاث سنوات، بسرية، ليلًا، فوق أسطح في تل أبيب.
وبذلك ينتقل السؤال من المشهد النهائي ــ منزل مدمّر أو مدنيون قتلوا أو منطقة سكنية تعرضت للقصف ــ إلى ما هو أبعد: من قرر أن هذا المكان هدف؟ وعلى أي معلومات استند القرار؟ وما حجم الخسائر المدنية التي كانت متوقعة؟
وهذه نقلة مهمة في النقاش، لأنها تنقل التركيز من النتائج إلى سلسلة صناعة القرار. فحين تكون الحرب موضوعًا للجدل، يصبح السؤال عن المسؤولية أكثر تعقيدًا من مجرد إحصاء الضحايا أو عرض صور الدمار. المسؤولية تبدأ من لحظة جمع المعلومات، ثم تحليلها، ثم اختيار الهدف، ثم تقدير المخاطر، ثم إصدار أمر التنفيذ. «نازا» يحاول الدخول إلى هذه المنطقة المعتمة.
قوة الفيلم.. أن شهاداته تأتي من الداخل
أكثر ما يمنح «نازا» ثقله السياسي والإعلامي هو طبيعة مصادره. المخرجون لم يبنوا الفيلم فقط على شهادات فلسطينية أو تقارير من خارج إسرائيل، وإنما على أشخاص قدموا أنفسهم بوصفهم عملوا داخل المؤسسة العسكرية والاستخبارية الإسرائيلية. وهذا لا يجعل شهاداتهم صحيحة تلقائيًا، ولا يحول الفيلم إلى وثيقة قضائية مكتملة؛ لكنه يغير طبيعة النقاش. فالشاهد هنا يتحدث عن المؤسسة التي عمل فيها، وعن آليات يقول إنه اطلع عليها من الداخل. ومن هنا يمكن فهم سبب حساسية الفيلم.
فالانتقاد القادم من الخارج يمكن للسلطة أن تضعه بسهولة داخل إطار «العداء لإسرائيل» أو «الجهل بظروف الحرب». أما عندما يأتي النقد من صحفيين إسرائيليين ومن أشخاص يقولون إنهم خدموا داخل الجيش أو أجهزة الاستخبارات، فإن النقاش يصبح أكثر تعقيدًا. وهذا بالضبط ما يجعل «نازا» جزءًا من الصراع على الرواية الإسرائيلية من داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه.
لكن الشهادة ليست حكمًا قضائيًا
وهنا يجب التمييز بين قوة الفيلم الصحفية وبين قيمة ما يقدمه باعتباره دليلًا نهائيًا. الجيش الإسرائيلي رفض الاتهامات الواردة في الفيلم، وشكك في إمكانية التحقق من هوية أصحاب الشهادات وأدوارهم، كما رفض تصوير أنظمة الذكاء الاصطناعي باعتبارها صاحبة القرار المستقل في تنفيذ الضربات، مؤكدًا أن القرارات تخضع لإشراف بشري.
وهذا الاعتراض مهم في قراءة الفيلم بموضوعية. فـ«نازا» عمل وثائقي استقصائي، وليس حكمًا صادرًا عن محكمة. قوته الأساسية تكمن في جمع الشهادات وربطها بتحقيقات صحفية سابقة، وفي طرح أسئلة حول آليات اتخاذ القرار العسكري. أما إثبات المسؤولية الجنائية عن وقائع محددة، فيحتاج إلى أدلة ووثائق وتحقيقات مستقلة يمكن اختبارها أمام الجهات المختصة.
وهذا التمييز لا ينتقص من أهمية الفيلم، بل يجعله أكثر قابلية للنقاش الجاد.
لماذا تحولت القضية إلى أزمة سياسية؟
لو بقي «نازا» داخل قاعات السينما، لكان من الممكن التعامل معه بوصفه فيلمًا سياسيًا مثيرًا للجدل.
لكن ما حدث بعد عرضه في فينيسيا نقل القصة إلى مستوى آخر. فالفيلم حصل على جائزة لجنة التحكيم الخاصة، وتلقى تصفيقًا استمر قرابة 25 دقيقة، في استقبال استثنائي داخل المهرجان.
ثم جاء الرد الإسرائيلي. وزير الثقافة الإسرائيلي ميكي زوهار هاجم المخرجين، ووصف ما قاما به بأنه «خيانة للدولة»، وأعلن تحركه للنظر في إمكانية سحب جنسيتهما الإسرائيلية والتحقيق في كيفية الحصول على المواد التي ظهرت في الفيلم.
وهنا حدث التحول الأهم. لم يعد السؤال: هل «نازا» فيلم جيد أم سيئ؟ . بل أصبح: هل يمكن للدولة أن تتعامل مع فيلم ينتقد سلوكها باعتباره قضية تتجاوز النقد الفني إلى مسألة ولاء وخيانة؟
هذا التحول نفسه أصبح جزءًا من قصة الفيلم.
المفارقة: محاولة احتواء الفيلم قد تزيد انتشاره
في عالم الإعلام، هناك قاعدة بسيطة: الجدل يصنع الانتباه. وهذا ما يبدو أنه يحدث مع «نازا».
فبدل أن يبقى الفيلم مادة سينمائية يشاهدها جمهور المهرجان والنقاد، أصبح موضوعًا لوسائل الإعلام الدولية بعد تصريحات وزير الثقافة والهجوم على مخرجيه.
كما أعلن أكثر من 1500 سينمائي إسرائيلي دعمهم للمخرجين وانتقدوا الهجوم عليهما، في وقت أعلنت شخصيات ومهرجانات سينمائية دولية تضامنها معهما.
وهنا تظهر مفارقة سياسية وإعلامية لافتة: كلما انتقل الجدل من الفيلم إلى مخرجيه، عاد الاهتمام إلى الفيلم نفسه. وكلما أصبحت محاولة إسكات العمل خبرًا عالميًا، أصبح العمل أكثر حضورًا. أي أن المعركة لم تعد فقط حول محتوى «نازا»، وإنما أصبحت حول حق إنتاج الرواية ونشرها ومناقشتها.
المعركة الحقيقية ليست على فيلم
الأهم أن «نازا» لا يعمل في فراغ. الفيلم نفسه يقول إن جزءًا من المواد التي يكشف عنها سبق نشره في تحقيقات صحفية، خصوصًا عبر «الغارديان» وشركائها في «972+» و«لوكال كول». ولذلك لا تكمن أهميته فقط في كشف معلومة واحدة جديدة، بل في إعادة تركيب مجموعة من التحقيقات والشهادات داخل سرد سينمائي واحد.
وهذا ما يمنحه تأثيرًا مختلفًا.
التحقيق الصحفي قد يصل إلى القارئ المهتم، لكن الفيلم قادر على نقل القضية إلى جمهور أوسع، وتحويل مجموعة من الوثائق والشهادات إلى تجربة بصرية وعاطفية متماسكة.
ومن هنا يصبح الفيلم أداة في معركة الذاكرة.
فالحروب لا تنتهي بانتهاء القصف وحده؛ تبدأ بعدها معركة أخرى: من سيكتب التاريخ؟ وما الصور التي ستبقى؟ وما الشهادات التي ستُحفظ؟ وما الرواية التي ستصبح، مع مرور الوقت، الرواية الأكثر حضورًا؟
«نازا» والزلزال القادم للرواية
ربما تكون المقارنة مع السابع من أكتوبر مغرية، لكن الفرق جوهري.
السابع من أكتوبر كان زلزالًا أمنيًا وعسكريًا هز ثقة الإسرائيليين في مؤسساتهم.
أما «نازا» فيتحرك في مساحة مختلفة: إنه يضع الرواية الإسرائيلية للحرب نفسها تحت الاختبار من داخل إسرائيل.
وهذا لا يعني أن الفيلم سيغير مواقف الإسرائيليين أو سيحسم الجدل الدولي حول الحرب. لا توجد أدلة تسمح بمثل هذا الاستنتاج الآن.
لكن الفيلم نجح بالفعل في نقل النقاش إلى مستوى آخر: من الحديث عن نتائج الحرب إلى البحث في آلياتها، ومن نقد إسرائيل من الخارج إلى مساءلتها من الداخل، ومن الصور الملتقطة في غزة إلى شهادات أشخاص يقولون إنهم كانوا جزءًا من المنظومة التي صنعت تلك الصور.
وهذه هي النقطة الأكثر حساسية في «نازا».
فالفيلم لا يطلب من المشاهد أن يرى الدمار فحسب؛ بل يدفعه إلى السؤال عما حدث قبل أن تصل القنبلة إلى المكان.
ومن هنا، فإن المعركة التي فتحها الفيلم ليست معركة سينمائية فقط.
إنها معركة على المعلومة، والشهادة، والمسؤولية، وحق المجتمع في معرفة ما تفعله مؤسساته باسمه.
والأيام المقبلة ستكشف ما إذا كان «نازا» سيبقى حدثًا سينمائيًا استثنائيًا، أم سيتحول إلى جزء مستمر من النقاش الإسرائيلي حول الحرب، وحدود النقد، ومن يملك حق رواية ما حدث في غزة.
لكن شيئًا واحدًا أصبح واضحًا بالفعل:
الفيلم الذي خرج من تل أبيب سرًا، وصل إلى فينيسيا بجائزة، ثم عاد إلى إسرائيل محاطًا بالعاصفة؛ لم يعد مجرد فيلم عن الحرب، بل أصبح هو نفسه جزءًا من الحرب على الرواية.