توحيدة عبد الرحمن.. الطبيبة التي سبقت عصرها لتخدم الفقراء
في القاهرة، وخلال العقود الأولى من القرن العشرين، كان الطريق أمام الفتاة المصرية إلى التعليم العالي شاقًا، فما بالك بأن تختار دراسة الطب، وتسافر إلى أوروبا لتتعلم، ثم تعود إلى بلدها لتصبح واحدة من أوائل الطبيبات المصريات؟
حكاية توحيدة عبد الرحمن لا تتوقف عند السبق التاريخي. فالأهم في سيرتها ربما لم يكن أنها أصبحت طبيبة، ولا أنها درست الطب في بريطانيا، ولا أنها كانت أول طبيبة مصرية تُعيَّن في الحكومة، وإنما القرار الذي اتخذته بعد عودتها إلى مصر عندما رفضت الطريق الأسهل، واختارت العمل بين الناس.

من مدرسة السنية إلى بريطانيا
ولدت توحيدة عبد الرحمن عام 1906، ونشأت في أسرة من الطبقة المتوسطة اهتمت بتعليم أبنائها وبناتها، في وقت لم يكن تعليم الفتيات أمرًا مألوفًا كما أصبح لاحقًا. درست في المدرسة السنية المدرسة العريقة التى لا تزال موجود فى حي السيدة زينب بالقاهرة، ثم جاءت الفرصة التي غيرت حياتها. عندما أختيرت ضمن بعثة من الطالبات المصريات لدراسة الطب في بريطانيا.
كانت الرحلة إلى إنجلترا أكثر من انتقال جغرافي، عبورًا إلى عالم علمي مختلف، في وقت كانت فيه المرأة المصرية تخوض معركة مزدوجة، مع محدودية فرص التعليم من ناحية، ومع التصورات الاجتماعية عن المجال الذي ينبغي أن تشغله المرأة من ناحية أخرى.

نجحت توحيدة في دراستها، وحصلت على تعليم طبي متقدم، ثم وجدت أمامها فرصة للبقاء في بريطانيا. لكنها اختارت العودة إلى مصر.
عادَت الطبيبة الشابة إلى القاهرة، وكان والدها فخورًا بها إلى درجة أنه أعد لها عيادة خاصة في شارع عدلي، مجهزة بما تحتاج إليه لتبدأ حياتها المهنية بعيدًا عن مشقة العمل الحكومي.
كان الطريق أمامها واضحًا. عيادة خاصة، مرضى قادرون على دفع تكاليف العلاج، وحياة مهنية مريحة نسبيًا. لكن توحيدة رفضت العيادة الخاصة، واتجهت إلى العمل في مستشفى كتشنر الخيري، الذي أصبح لاحقًا مستشفى شبرا العام.

لقب «هانم» من الملك وعيادتها للفقراء
اختارت توحيدة أن تعمل مع المرضى الذين لم تكن لديهم القدرة على تحمل تكاليف العلاج الخاص.
في هذا القرار تكمن إحدى أهم مفارقات سيرتها. امرأة حصلت على تعليم نادر حينها ومميز، وعادت من أوروبا وهي تحمل شهادة في الطب، ثم لم تجعل هذا الامتياز وسيلة للابتعاد عن الفقراء، وإنما وسيلة للوصول إليهم.
بدأت مسيرتها في العمل الطبي الحكومي، لتصبح عام 1932 أول طبيبة مصرية تُعيَّن في الحكومة. منحها الملك فؤاد لقب "هانم" رسميا لإخلاصها الشديد بالعمل، لكنها لم تعتمد هذا اللقب فى حياتها اليومية ولا أوراقها الرسمية كعادة ذاك الزمان.
تزوجت بعد عودتها من محمد محمود عبد اللطيف وكيل النائب العام الذي صار واحدا من ألمع قضاة مصر بعد توليه الحكم في عدة قضايا مهمة مثل قضية السيارة الجيب الخاصة بتنظيم الإخوان وبعض قضايا الجاسوسية، مما جعله في بعض الأحيان عرضة لمحاولات الاغتيال التي واجهتها الزوجة بشجاعة، وأنجبت سبعة من الأبناء عملت على تربيتهم تربية صالحة منتمية إلى مجتمعها وتقاليدها.

أول من قررت التغذية المدرسية
وصلت لمنصب كبيرة طبيبات وزارة المعارف أو وزارة التربية والتعليم حاليا ومديرة الصحة المدرسية، وهي التي أصرت على تطبيق نظام التغذية المدرسية الأساسية في الستينيات، بعد أن سافرت للخارج أكثر من مرة لدراسة أفضل السبل لتطبيق هذا النظام.
ولم يقتصر عملها على علاج المرضى، بل ارتبط أيضًا بمجال الصحة المدرسية، وتدرجت في مواقع المسؤولية حتى أصبحت من القيادات النسائية البارزة في المجال الطبي بوزارة المعارف.

كانت تجربتها جزءًا من تحول أكبر عاشته مصر في ذلك الوقت. إذ بدأت الدولة في توسيع مؤسسات التعليم والصحة، وبدأت المرأة المصرية تدخل تدريجيًا إلى المهن التي ظلت لفترة طويلة حكرًا على الرجال.
نشرت توحيدة عبد الرحمن مذكراتها في كتاب الدكتورة "لما كانت مصر مصر بتحرير مؤمن المحمدي". وبعدها توفت فى العام 1974 بعد صراع مع مرض السرطان.